وهبة الزحيلي
9
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا الجار والمجرور في موضع نصب ، متعلق ب يَعُودُونَ وما : مصدرية ، أي يعودون لقولهم ، والمصدر في موضع المفعول ، كقولك : هذا الثوب نسج اليمن ، أي منسوجة ، ومعناه : يعودون للإمساك المقول فيه الظهار ولا يطلّق الزوج . وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ . . فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ الَّذِينَ : مبتدأ ، وتحرير : مبتدأ ثان خبره محذوف أي فعليهم تحرير رقبة ، والجملة خبر المبتدأ الأول . البلاغة : قَدْ سَمِعَ السماع هنا مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية . سَمِيعٌ بَصِيرٌ غَفُورٌ خَبِيرٌ أَلِيمٌ صيغ مبالغة . ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ، إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إطناب بذكر الأمهات ، لزيادة التقرير والبيان . المفردات اللغوية : سَمِعَ اللَّهُ أجاب وقبل ، كما في التسميع : « سمع اللّه لمن حمده » أي أجابه . الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها تراجعك الكلام أيها النبي في أمرها وأمر زوجها الذي ظاهر منها ، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية ، زوجة أوس بن الصامت أخي عبادة ، وكان قد ظاهر منها قائلا : أنت علي كظهر أمي ، فاستفتت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال تأثرا بالعرف : حرمت عليه ، لأن الظهار كان عند العرب موجبا حرمة مؤبدة ، فقالت : ما طلقني ، فقال : حرمت عليه ، فاغتمت لصغر أولادها ، وشكت إلى اللّه تعالى ، فنزلت هذه الآيات الأربع . وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ تبث شكواها وغمها وهمها إلى اللّه ، متوقعة أن اللّه يسمع مجادلتها وشكواها ، ويفرج عنها كربها . وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما تراجعكما الكلام ، بطريق تغليب الخطاب . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ للأقوال والأحوال ، وهذا يدل على إثبات صفتي السمع والبصر للّه تعالى . الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ الذين يقولون لنسائهم مثلا : أنت علي كظهر أمي ، أي في الحرمة ، وكالأم سائر المحارم ، وقد كان هذا أشد طلاق في الجاهلية . والظهار : تشبيه المرأة أو عضو منها بأحد محارمه نسبا أو رضاعا أو مصاهرة بقصد التحريم ، وقوله : مِنْكُمْ تهجين لعادتهم فيه ، فإنه كان من أيمان الجاهلية . إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ أي ما أمهاتهم إلا اللاتي ولدن الأولاد ، فلا تشبه بالمحارم في الحرمة إلا من ألحقها اللّه بهن ، كالمرضعات وأزواج الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وَإِنَّهُمْ أي بالظهار . لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ أي قولا منكرا أنكره الشرع ، والمنكر : كل ما استقبحه الشرع والعقل والطبع . وَزُوراً كذبا وبهتانا ، فإن الزوجة لا تشبه بالأم .